الجاحظ
74
رسائل الجاحظ
الألسن بحد مقنع ، وقد يعرف بالهاجس كما يعرف بالإحصاء والوزن . فلا وجه لتحريمه ، ولا أصل لذلك في كتاب اللّه تعالى ولا سنة نبيه عليه السلام . [ 20 - الغناء غير محرم ] فإن كان إنما يحرمه لأنه يلهي عن ذكر اللّه فقد نجد كثيرا من الأحاديث والمطاعم والمشارب والنظر إلى الجنان والرياحين ، واقتناص الصيد ، والتشاغل بالجماع وسائر اللذات ، تصد وتلهي عن ذكر اللّه . ونعلم أن قطع الدهر بذكر اللّه لمن أمكنه أفضل ؛ إلا أنه إذا أدى الرجل الفرض فهذه الأمور كلها له مباحة ، وإذا قصر عنه لزمه المأثم . ولو سلم من اللهو عن ذكر اللّه أحد لسلم الأنبياء عليهم السلام . هذا سليمان بن داود عليهما السلام ، الهاه عرض الخيل عن الصلاة حتى غابت الشمس ، فعرقبها وقطع رقابها . [ 21 - الحكم الجمالي ] وبعد فإن الرقيق تجارة من التجارات تقع عليه المساومات والمشاراة بالثمن ، ويحتاج البائع والمبتاع إلى أن يستشفى العلق : ويتأملاه تأملا بينا يجب فيه خيار الرؤية المشترط في جميع البياعات . وإن كان لا يعرف مبلغه بكيل ولا وزن ولا عدد ولا مساحة ، فقد يعرف بالحسن والقبح . ولا يقف على ذلك أيضا إلا الثاقب في نظره ، الماهر في بصره ، الطب بصناعته ، فإن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره . وكذلك الأمور الوهمية ، لا يقضى عليها بشهادة إبصار الأعين ، ولو قضي عليها بها كان كل من رآها يقضي ، حتى النعم والحمير ، يحكم فيها لكل بصير العين يكون فيها شاهدا وبصيرا للقلب ، ومؤديا إلى العقل ، ثم يقع الحكم من العقل عليها .